عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

513

اللباب في علوم الكتاب

[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 36 إلى 37 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ( 36 ) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 37 ) قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ الآية . لمّا شرح أحوال الكفّار في طاعاتهم البدنية ، أتبعها بشرح أحوالهم في الطّاعات الماليّة . قال مقاتل والكلبيّ : نزلت في المطعمين يوم بدر ، وكانوا اثني عشر رجلا من كبار قريش ، كان يطعم كلّ واحد منهم كل يوم عشر جزر « 1 » . وقال سعيد بن جبير : نزلت في أبي سفيان وإنفاقه المال على حرب محمد يوم أحد ، وكان قد استأجر ألفين من الأحابيش سوى من استجاش من العرب ، وأنفق عليهم أربعين أوقية ، والأوقية : اثنان وأربعون مثقالا « 2 » ، هكذا قاله الزمخشريّ . ثمّ بيّن تعالى أنهم إنّما ينفقون المال : « لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ » أي : غرضهم من الإنفاق الصد عن اتباع محمد وهو سبيل اللّه ، وإن لم يكن عندهم كذلك . قال : فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً أي : أنّ هذا الإنفاق يكون عاقبته حسرة ؛ لأنّه يذهب المال ولا يحصل المقصود ، بل يغلبون في آخر الأمر . وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ وإنّما خصّ الكفار ، لأن فيهم من أسلم . قوله لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ قد تقدّم الكلام فيه في آل عمران : [ 179 ] . والمعنى : ليميز اللّه الفريق الخبيث من الكفّار من الفريق الطّيب من المؤمنين ، فيجعل الفريق الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا ، أي : يجمعهم ويضمّهم حتّى يتراكموا . « أولئك » إشارة إلى الفريق الخبيث ، وقيل : المراد بالخبيث : نفقة الكافر على عداوة محمد - عليه الصّلاة والسّلام - ، وبالطّيّب : نفقة المؤمن في جهاد الكفار ، كإنفاق أبي بكر وعثمان في نصرة الرسول - عليه الصلاة والسلام - ، فيضم تعالى تلك الأموال الخبيثة بعضها إلى بعض فيلقيها في جهنّم ، ويعذبهم بها ، كقوله تعالى : فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ [ التوبة : 35 ] فاللّام في قوله لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ على القول الأوّل متعلقة بقوله تعالى : يُحْشَرُونَ أي : يحشرون ليميز اللّه الفريق الخبيث من الفريق الطيب ، وعلى القول الثاني متعلقة بقوله : ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً و « يجعل » يحتمل أن تكون تصييرية ، فتنصب مفعولين ، وأن تكون بمعنى الإلقاء ، فتتعدّى لواحد ، وعلى

--> ( 1 ) ذكره البغوي في « معالم التنزيل » ( 2 / 247 ) والرازي ( 15 / 129 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 242 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 334 ) وزاد نسبته إلى ابن سعد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن عساكر .